محمد بن جرير الطبري
259
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الأرض يقول : ويمسك السماء بقدرته كي لا تقع على الأرض إلا بأذنه . ومعنى قوله : أن تقع : أن لا تقع . إن الله بالناس لرءوف بمعنى : أنه بهم لذو رأفة ورحمة فمن رأفته بهم ورحمته لهم أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، وسخر لكم ما وصف في هذه الآية تفضلا منه عليكم بذلك . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الانسان لكفور لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الامر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم ) * . يقول تعالى ذكره : والله الذي أنعم عليكم هذه النعم ، هو الذي جعلكم أجساما أحياء بحياة أحدثها فيكم ، ولم تكونوا شيئا ، ثم هو يميتكم من بعد حياتكم فيفنيكم عند مجئ آجالكم ثم يحييكم بعد مماتكم عند بعثكم لقيام الساعة . إن الانسان لكفور يقول : إن ابن آدم لجحود لنعم الله التي أنعم بها عليه من حسن خلقه إياه ، وتسخيره له ما سخر مما في الأرض والبر والبحر ، وتركه إهلاكه بإمساكه السماء أن تقع على الأرض بعبادته غيره من الآلهة والأنداد ، وتركه إفراده بالعبادة وإخلاص التوحيد له . وقوله : لكل أمة جعلنا منسكا يقول : لكل جماعة قوم هي خلت من قبلك ، جعلنا مألفا يألفونه ومكانا يعتادونه لعبادتي فيه وقضاء فرائضي وعملا يلزمونه . وأصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر يقال : إن لفلان منسكا يعتاده : يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر . وإنما سميت مناسك الحج بذلك ، لتردد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحج والعمرة . وفيه لغتان : منسك بكسر السين وفتح الميم ، وذلك من لغة أهل الحجاز ، ومنسك بفتح الميم والسين جميعا ، وذلك من لغة أسد . وقد قرئ باللغتين جميعا . وقد اختلف أهل التأويل في المعني بقوله : لكل أمة جعلنا منسكا : أي المناسك عني به ؟ فقال بعضهم : عني به : عيدهم الذي يعتادونه . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه يقول : عيدا . وقال آخرون : عني به ذبح يذبحونه ودم يهريقونه . ذكر من قال ذلك :